6 قراءة دقيقة
حي بما يكفي.. حين تقول الرواية ما تعجز عنه الوثيق

نزار عبد الحميد

الثورات مهما بلغت لا تستقرّ في التاريخ وحده بل تتسرب ببطء وعمق إلى اللغة، وتسكن الحكايات الصغيرة، وتتمثل فيما يكتبه الأفراد وهم يحاولون فهم ما جرى لهم وتوثيقه. ولا تبدو الكتابة فعلاً لاحقاً على الحدث بل امتداداً لبنيته الخفيّة؛ فالنصوص صدى الشارع لكن بلغةٍ أخرى. وما يُكتب عنها ليس انعكاساً بل إعادةُ ترتيبٍ للمعنى، وترميمٌ لما تكسّر في الوعي قبل أن يتشظّى في الواقع.من هنا لا تنطلق هذه القراءة من سؤال: ماذا حدث؟ بل من سؤال أكثر تعقيداً: كيف كُتبت الثورة في الرواية؟ أي كيف تحول الحدث بكل ثقله إلى لغة، وإلى زمنٍ سردي، وإلى ذاتٍ تفتش عن نفسها بين ما عاشته وما تتذكّره.

وفي هذا السياق لا تعدو الرواية كونها مساحةً لتوثيق الوقائع فحسب، بل مجالاً لإعادة اختبارها. فهي لا تنقل الحدث كما هو ولا تنفصل عنه بل تعيد بناءه عبر الذاكرة واللغة وفق ما استقر منه في الوعي لا وفق تسلسله الزمني.هنا لا يعود الماضي زمناً منقضياً بل هو حضور فاعل في قلب الحاضر؛ إذ تتبدل قيمته بقدر ما يتحول إلى مادة للتأمل وإلى تجربة داعمة للمعرفة. فلا تُستدعى الوقائع لأنها حدثت فقط، بل لأنها تواصل فعلها في الداخل، وتعيد تشكيل فهم الذات لما عاشته. بهذا المعنى تتقدم الرواية على التوثيق الصرف؛ فهي لا تكتفي بما وقع بل تنشغل بما بقي منه: بما تركه من أثرٍ في الإحساس بالزمن، وفي العلاقة مع الذاكرة، وفي محاولة الإنسان استعادة توازنه بعد أن اختل.ومن هنا لا تُكتب الرواية بوصفها سجلاً للماضي، بل سعياً لفهمه؛ حيث يُستعاد لا ليُكرَّر، بل ليُعاد إدراكه ضمن تجربة إنسانية تحول الألم إلى معرفة والذاكرة إلى وعي. وهنا تحديداً تبدأ الرواية في قول ما تعجز عنه الوثيقة: كيف يُعاش الحدث من الداخل، لا كيف يُسجَّل من الخارج. 

ضمن هذا الأفق، تندرج رواية «حيّ بما يكفي» لـ علي حميدي، الصادرة عن دار ممدوح عدوان؛ لا لأنها تمثل الثورة في صورتها الظاهرة، بل لأنها تذهب إلى ما هو أبعد: إلى أثرها الصامت.فيها لا نواجه حدثاً مزلزلاً بقدر ما نواجه إنساناً يحاول استيعاب ما تبقى منه بعد الحدث؛ إنساناً لا يسأل عمَّا جرى فقط بل عمَّا بقي فيه. لا تظهر الثورة هنا بوصفها مشهداً مكتملاً، بل كحضورٍ خفيٍ يتسرب إلى التفاصيل اليومية: إلى لغة تميل إلى الاقتصاد، وزمن يفقد خطيّته، وذاتٍ يتآكل تماسكها. كل شيء يحدث على حافة الانطفاء حيث لا تكون الحياة مكتملة بل “بما يكفي” فقط.تكمن قوة النص في أنه لا يرفع صوته بل يهمس. ولا يقدّم إجابات بل يفتح أسئلة، ولا يشيّد معنىً جاهزاً بل يترك القارئ أمام تجربة تتشكل وهو يعبرها. وفي قلب هذه التجربة تبرز لحظة مفصلية ألا وهي العودة من المعتقل، عودةٌ تشبه الانبعاث بعد موتٍ بطيء. هنا لا يكون الخلاص مجرد خروج من جدران مادية، بل بداية مواجهة مع شكلٍ آخر من الاعتقال بل بداية مواجهة مع أسرٍ داخلي تفرضه الجماعة وتعيد إنتاجه في الذات.فالثورة كما تقترح الرواية، لا تُقاس بما وقع فيها من أحداث، بل بما أحدثته في الداخل وفي الإحساس بالزمن، وفي العلاقة مع الذاكرة، وفي القدرة على الاستمرار أو التحرر من قيود غير مرئية تمسك بالإنسان حتى بعد نجاته.

 إن «حيّ بما يكفي» تكتب الثورة من موقع مختلف: لا من مركزها بل من هامشها الإنساني العميق؛ من تلك المساحة التي لا تُرى عادةً، حيث يعيش الإنسان تبعات ما حدث، لا الحدث نفسه. وهنا تتحول الرواية إلى ما يشبه مختبراً وجودياً، تُختبر فيه فكرة الحياة: ماذا يعني أن تبقى؟ ومتى يكون البقاء شكلاً آخر من الانطفاء؟بهذا المعنى لا تقدم الرواية حكاية عن الثورة فحسب، بل تقدم أثرها في الكينونة. وهي بذلك تفتح الباب أمام قراءة أوسع للسرد الثوري السوري المعاصر؛ قراءة لا تبحث عن الحدث في النص، بل عن كيفية اشتغاله في اللغة والوعي. وفي نهاية هذه القراءة لا يبدو النص مجرد رواية تُقرأ، بل أفقاً يُفتح على مشروع أوسع. فإذا كانت الثورة قد تسربت إلى اللغة، واستقرت في الحكايات الصغيرة، وتحولت إلى سردٍ يعيد تشكيل الذاكرة، فلماذا لا يكون هذا كله فاتحةً لانطلاق مشروعٍ يسعى إلى أرشفة الثورة السورية عبر السرد؟مشروع لا يكتفِ بجمع النصوص، بل يقرأها بوصفها خرائط للمعنى، وشهادات على ما جرى في الداخل قبل الخارج؛ حيث لا تُؤرشف الوقائع وحدها بل الهشاشة أيضاً، والقلق ومحاولات الفهم التي كتبها الأفراد وهم يعبرون التجربة. ولعلّ الرواية في هذا الأفق، لا تكون مجرد أدب بل ذاكرة موازية، تحفظ ما لا تقوله الوثائق وتعيد للإنسان مكانه في قلب الحكاية. فربما لا نملك أن نكتب تاريخ الثورة كاملاً، لكنَّا -على الأقل- نستطيع أن نحفظ ما تركته فينا من حياةٍ لم تعد كما كانت.