
2025.09.10 | 15:31 دمشق - محمد برو
في مطلع الرواية، يطالعنا الكاتب "علي حميدي" بالصدمة النفسية التي تصفع الخارج من أقبية السجون بعد عامين من العتمة والعذاب والخوف المهيمن؛ خروج من السجن بعد مسرحية سخيفة يتم فيها الهتاف بصوت عالٍ تحية لقائد الوطن، خروج يميط اللثام عن حقيقة كانت متوارية، وهي أن الحياة في المدن السورية ليست أقل قسوة من عتمات الزنازين، وليست الحرية محض تنفس للهواء وتدخين سيجارة طالما كان محرومًا منها في سجنه الكريه.سيكتشف عقب خروجه بساعات أن البلد الذي تركه ما زال كما هو في انحدار مستمر نحو الأسوأ، وأنه مجبر على تقبل الإهانات من كل طرف يلقاه، وأن الحلم بالحفاظ على الكرامة ضرب من ترف الخيال.
لن ينسى صوت أبي جابر الذي رفض الاستسلام وفضّل الموت شهيدًا. سيعود ليلتقي بقريته المدمرة، وليكتشف أن أهله قد نزحوا، وسيكتشف تاليًا أن الجميع كان يعدّه بين المقتولين في السجون، وأن قريبًا له قد شكّل كتيبة مسلحة سماها باسمه "كتيبة الشهيد عز الدين". الأمر الذي يجعل من ظهوره حيًا أمرًا إشكاليًا قد يهدد الدعم المالي وخطط معارك قادمة، فيتم إخفاؤه واحتجازه في قبو ريثما يتم ترتيب الأمر على الوجه الذي ينبغي. سيكتشف أن الثورة التي طالما حلم بها ونافح عنها تلتهم اليوم أبناءها، كأنه قانون الثورات في العالم، وطبيعة الفصائل المسلحة التي تشرعن القتل وتصفية المخالفين؛ لأنها بالأصل لا تعرف إلا لغة القتل والقتال. لكنه نجا، وليس بمقدوره العودة للماضي، ولا استعادة ما فقده. سيمضي للأمام لينخرط في الكفاح الإعلامي كثائر لم يهزم، يوثق تجربته التي تحاكي آلاف التجارب للشباب السوري، فالذاكرة والتوثيق هما النسغ الذي يحافظ على الحياة، وعلى ذكرى الحيوات التي انتهت. تبرز أهمية الذاكرة هنا كأداة للمقاومة، فالنظام القمعي لا يألو جهدًا في مسخ الذاكرة وتشويهها، وخلق تاريخ كاذب موازٍ. وهنا تبرز الذاكرة كفعل مقاوم يتحدى السردية الرسمية، ويخلق تاريخًا سيلتف يومًا ما حول عنق الجلادين فيخنقهم. ربما يكون جوهر فعل الناجين كسب الحرب الدائرة بين الذاكرة "انتصار الحياة" وبين النسيان "الموت"، هي تمسك بالحياة ودعوة لمقاومة الموت نسيانًا، ولتعزيز الثقة بأن الحياة الحرة تستحق النضال لأجلها، حتى لو كان ذلك يعني أن تكون حيًا بما يكفي.تتخطى رواية "حي بما يكفي" حدود اللون الأدبي إلى آفاق الشهادة التي يدونها من عاشها بكل تفاصيلها، في واحدة من أعقد وأصعب السنوات التي مرت بها سوريا. هي غوص وإبحار في تلافيف التجربة الإنسانية بين العذاب والخلاص بالموت المشتَهى، في مقارعة غير متكافئة بين الإنسان الأعزل والمُشبَع بالأحلام والقيم، وبين واحدة من أعتى قوى الجريمة المنظمة التي أفلتت وحوشها تجاه المحكومين قسرًا وقهرًا. كيف تتكون الذاكرة الفردية وتُكمل اصطفافها في حيز المعتقلات الضيقة لتشكل ذاكرة جماعية نخشى أن تنفلت ذات يوم من عقال الوعي إلى حيز الانتقام. التعذيب والألم والرعب المُخَيِّم والمستقبل المجهول القاتم في مواجهة نداءات الحرية والكرامة والأمان، جدليات معقدة يعيشها الراوي بين استعراض طبيعة السلطة المتغولَة وإبداعها في آليات القمع، وبين الصراع الشخصي للإبقاء على بصيص أمل حتى وإن كان مدعاة للسخرية.
في لحظة الإفراج عن المعتقل "الراوي"، يختلط في وجدانه الفرح والدهشة والذهول والصدمة، بعد الأُلفة القسرية مع ذلك العالم المظلم. يقف مذهولًا أمام عالم لم يعرفه من قبل، فقد عبثت به مخالب الأيام الصعبة فأحالته كيانًا مختلفًا سيحتاج لجهد استثنائي للتعرف إليه والتعامل معه، إنه عالم لم يعد ينتمي إليه.
تطوف بنا الرواية في عالم الزنازين المظلمة، غياب ضوء الشمس والهواء النقي، ندرة الطعام، وتمنّع الماء، روائح القيح والدم ورائحة الأجساد المتعرقة التي تشي رائحتها بمدى الرعب الذي تعيشه. التعذيب الذي لا يتوقف، وإن توقف لساعات، فإن أصوات المعذبين الآخرين تملأ الفراغ. كيف يجد المرء العزاء في رفاق المحنة الذين يتضامنون فيما بينهم دون انتظار عطاء أو كلمة شكر؟ كيف له أن يستمر بالحلم أو التوهم بأن غدًا أجمل لا بد آت؟ كيف يغدو الحفاظ على الكرامة الإنسانية أو التفكير بها ترفًا لا يليق؟أعز ما يتبقى للإنسان في هذه الهوة السحيقة خيوط وحبال من الذاكرة تشد من بأسِه، وتمنحه بعض الرضا. تنتصب الذاكرة في هذه المنعطفات الخطرة من حياة الإنسان كأعمدة يتكئ عليها، وتمنحه قدرة استثنائية للمقاومة والإصرار على البقاء. وهكذا نجا الناجون في آلاف المعتقلات وأقبية السجون. ففي السجون يتم تجريد الإنسان من هويته وكينونته الإنسانية، ويُجرى طمسه بل وتحويله لمجرد رقم ينقل من هنا إلى هناك عبر قسيمة موقعة من جلاديه كسلعة أو حرز مستودعي. وفي نهاية المطاف، تتضافر الذاكرة مع بقايا الأمل لتصنع سردية فريدة وفلسفة نادرة تحكي خفايا من النفس الإنسانية.في عالم المعتقلات تتوافر للمعتقل الشاب فرصة اللقاء بأشخاص متميزين بخبرات نوعية، ويمكن في هذا العالم المظلم أن يكون الحديث في أعلى درجات الحرية. وفي هذا الظرف الصعب الذي يكشف عن القدرة الهائلة للإنسان على التكيف والتمسك بالحياة، من خلال تمسكه وبحثه عن المعنى، تتكون شخصية عز الدين الشاب، وتنمو على نحو متين من الصعب أن يتأتى هذا في الحياة الطبيعية، فالنار تصقل الذهب وتنقيه وتعلي من قيمته. وهكذا يخرج عز الدين رجلًا مختلفًا ينظر للحياة من موقع مختلف. ها هو اليوم ينظر للأمور بشكل أوضح، ويملك حساسية عالية لمفاهيم العدالة والحرية ومعاناة الآخرين، ويعيد اكتشاف قيمته الشخصية في هذا المخاض العسير.
رواية "حي بما يكفي" سرد توثيقي لعالم المعتقلات، غنية بالجوانب والمكاشفات الوجدانية العميقة، مصاغة من لحم ودم ومشاعر إنسانية حقيقية عاشها آلاف السوريين في تلك العتمات. ينهي الكاتب سرده المؤلم برسالة يرسلها إلى أمه وإلى سلمى، مخبرًا أن رحلة السجون قد انتهت، وأنه اليوم يخوض رحلة النضال سعيًا للنصر، ويختم رسالته بعبارة: "كان معكم عز الدين درويش، من قلب المطار المحرر"، ليجسد ذلك التحول العميق من "حي بما يكفي" في عالم المعتقلات إلى "حي بما يكفي" كشاهد يحكي حقيقة الثورة السورية للعالم.في الختام، تعد رواية "حي بما يكفي" إضافة مهمة لأدب السجون وأدب الثورة السورية التي وثّقت جوانب من حياة المعتقلات، والبطش الدموي الذي كان يُدار فيها بمنهجية شيطانية لم توفر الجسد ولا النفس بسحقهما في متاهات العذاب. هذه الرواية بالتضافر مع أعمال أدبية وتوثيقية أخرى تشكل وثيقة تاريخية يُعتد بها قانونيًا في إدانة هذا النظام المجرم. إنها صرخة من أعماق الذاكرة السورية تدهشنا بقدرة الإنسان على تحويل الألم إلى فن وأدب، وتؤكد أن الكلمة طالما كانت من أمضى الأسلحة في تغيير العالم.