26 قراءة دقيقة
علي حميدي في تجربة روائية أولى

بشير البكرالاثنين 2025/09/15 - صحيفة المدن

"حي بما يكفي" رواية الكاتب السوري علي حميدي، صادرة عن دار ممدوح عدوان. هي الرواية الأولى له. وقبلها، لم يقترب إلى أي جنس من الأدب، كتبها، ونشرها بعدما تجاوز 40 عاما. أي انه دخل ميدان الكتابة روائياً من أول تجربة له، وما كان للأمر أن يتم لولا مجموعة من الأسباب، التي أذكت حماسة دار النشر له. تمتاز الرواية بقوة ووضوح الموضوع، أو الخيط العام للعمل، والمكان والشخصيات. يتناول الكاتب الثورة السورية في بداياتها، والتطورات التي عبرتها في عاميها الأولين، وتتحرك شخصياتها الرئيسية ضمن الأجواء التي تفجرت فيها الثورة، بالعودة إلى الاحتقان الشديد، وانسداد الأفق، والقمع المفرط، وتنامي التمييز والفساد والسجون والتعذيب والقتل، وتدهور الوضع الاقتصادي، واستشراء حال الفقر الذي أصاب الغالبية العظمى من السوريين. وظف الكاتب هذا الوضع المتشظي، الحار، الذي كان ينذر بالانفجار الشامل، ووضع تلك المعطيات ضمن قالب روائي، وجعل منها أرضية تقف عليها شخصياته، التي تحركت وسط عالم من التوتر والمواجهات، التي طبعت الأعوام الأولى للثورة. بقدر ما أن الموضوع واضح، فإنه خضع لتضليل إعلامي مكثف. وعلى الأدب أن يتسلح بكاسحات ألغام، حتى يتمكن من شق طريقه وسط هذا الحقل، وتقديم رؤياه وشهادته في لحظة استقطاب حاد، وتجاذب تتسع هوته كل يوم. ويتطلب ذلك أن يمتلك الكاتب قدرة على السرد المتين. وهذا واضح في تمكن الكاتب من ضبط وتيرة السرد في الرواية، وذلك أمر بالغ الأهمية، نظرًا لحجم الرواية الطويلة. وقد نجح الكاتب في هيكلة نصه، وهذا ساعده على تجنب بعض المشاكل التقنية. علاوة على ذلك، أتاح له إنشاء مخطط تفصيلي، تأكد عبره من تماسك حبكته، وتوافر العناصر الأساسية لفهم نهاية العمل، التي جاءت قوية ومفاجئة. والحبكة مباشرة وجذابة، ووصف المكان موجزًا، لم يُرهق حميدي نفسه بتعدد الشخصيات، بل اقتصد على هذا الصعيد، فركز على الضرورية منها لتطور الحبكة، كما أن العدد القليل مكنه من إعطاء أهمية أكبر للشخصيات الأساسية في الرواية. الحبكة العامة للعمل بسيطة وغير معقدة، وتتوالى الفصول زمنياً حسب مجرى الثورة. لكن الشخصيات تتحرك في مستويات متوازية، حيث تتشكل حبكات داخلية أكثر تعقيدًا، ولا تترابط جميع الحلقات السردية بالطريقة نفسها، لأن الأمر يتعلق بشخصيات مختلفة. لكن في النقطة ذاتها من السرد: يتيح هذا التأثير المتوازي اجراء مقارنات وروابط بين الشخصيات، ويسمح للقارئ بتخيل تقاطعات مستقبلية بين القصص الفردية المختلفة، لإيجاد مفاتيح لما سيحدث لاحقًا. من الممكن أيضاُ قراءة رد فعل داعم يطور أفعال الشخصيات التي تبدأ بنفسها في سرد قصة، على شكل رسالة أو حوار مباشر، وغالباً ما يسمح لنا هذا السرد الثانوي، والذي يُسمى أيضًا السرد المضمن أو المؤطر، بفهم شخصية ودوافع الشخصية المتحدثة بشكل أفضل، ويخلق ترقبًا لدى القارئ، الذي يرغب في معرفة ما سيحدث بعد ذلك في القصة الرئيسية. وغالباً ما يُضفي الراوي تنوعاً على وتيرة السرد، بحيث تتكشف أحداث الرواية بسرعة، وهذا ما يجنب القارئ الملل. على العموم يمكن اعتبار حركة الرواية بطيئة، يطول وقت القراءة مقارنةً بالمدة الفعلية للحدث التي لا تتجاوز عامين. يُطوّر الكاتب السرد وفق ما يحدث بسرعة في الواقع، كحركة مفاجئة، أو حدث قصير، مثل معركة أو هرب من سجن. لكن الحركة البطيئة تتيح للقارئ وقتاُ لاستيعاب قوة اللحظة، وتفاصيل الحدث. وهذا غالبًا ما يُثير التشويق، ويُرسّخ الغموض. مغامرة أولى يمكنها اعتبار أن الكاتب أراد أن يجرب كتابة رواية، لكنه خرج بأقل قدر من أخطاء التجريب، وما يحمله العمل الأول للكاتب من هفوات. لقد تجنب حميدي الخروج عن الموضوع، والطريق العام الذي رسمه لنفسه، وهو ما أوصله إلى نقطة الختام، من دون أن يفقد البوصلة، وحينما يتناول المرء هذا العمل بالنقد ليس من باب التشجيع، بل للثناء عليه، كأول عمل لشخص من خارج الوسط الأدبي، وطرح تجربة روائية ناضجة، ترصد جانباً من المأساة السورية التي نجمت عن تحويل نظام بشار الأسد لثورة السوريين إلى مذبحة، وفتح أمامهم أبوابهم الهجرة القسرية بقوة. وفي هذا السياق تشكل الرواية سبقاً لأن كاتبها نقل تفاصيل كثيرة عن المقدمات، التي أدت الى تفجر الثورة، ووقائع الأعوام الأولى التي شهدت رفع السوريين للسلاح على بعضهم البعض على نحو مخيف. نقطة مهمة تصب في مصلحة الرواية وهي، أن كاتبها بعيد من النظريات والأفكار المسبقة عن الكتابة، وقد كتب بعفوية وصدق وحرارة، مدفوعاً بالإضاءة على أحداث أعوام عديدة، بعين ناقدة بقسوة. لذا فقد جمل العمل من قوة الإحساس الأول بالكتابة، ومن حداثة العهد بها الجانب النبيل منها. وتبقى إشارة مهمة إلى أهمية التكثيف في الرواية، حيث تعاني بعض المَشاهد إطالةً لا لزوم لها، وهناك مقاطع وصفية متعددة، كان يمكن الاستغناء عنها من دون إلحاق الضرر بالرواية التي تجاوزت الـ400 صفحة.