
الوطن.. ذاك المفهوم الموغل بالقداسة الذي تعلمنا يوماً أن حدوده ترسم بالدم وترخص لأجله الأنفس وسواها، هل مازال المفهوم يحمل ذاته؟ الرمزية والدلالة ذاتها؟ هل هو واحد بالنسبة لمن يرقص في ساحة الأمويين فرحا بــ"النصر" ومن يمسح الزبد على وجه طفله المختنق في الغوطة القريبة، هل لهم كلهم فعلاً وطن واحد؟
قد يكون من الإجحاف اليوم سؤال السوريين عن وطنهم الواحد بصورة عامة، فمنهم من لا يعرفه ومنهم من نسيه، ومنهم من لم يتعرف عليه أصلا "وهذا لعمري جيل لا يمكن أن يُعرف أهو محظوظ كونه لم يعرف الوطن بلونه الأصفر، أم هو منكوب دون وطن"، لكن ألا يحتاج السوريون اليوم وطناً واحداً يتفقون على الأقل على إحراقه أو بنائه يجمعون مثلا على أنه محتل أو مستقل، وطن يشبه ذاك الموغل بالقداسة ذا الحدود المرسومة بالدم!
بحثٌ عما يُجمّع.. لن تكون مهمة الأجيال القادمة سهلة في إعادة رسم الوطن الواحد لأن ما نتابعه لا يمكن محو آثاره بسهولة، ولا يمكن مستقبلا أن يعاد إنتاج المفهوم الوطني من خلال كتب المنهاج الدراسي الإجبارية، ولا من خلال مسيرات الوحدة الوطنية الحاشدة، هذا تدمير فعل فعله حتى في نفوس الأطفال، تلك طفلة مغادرة من الغوطة برداء أحمر، شعثاء غبراء ترفض أن تسمي بشار الأسد "بابا"، وذاك مهجّر يختصر بالقول "سنعود عندما تعود الديار ديارنا .. وتكون سوريا لنا كلنا"، يبدو أن سوريا لم تعد للكل أو بالأحرى أصبح فيها "كلّين"؛ كلٌّ يحشر أو سيحشر في إدلب وجوارها في ريف حلب وكلُّ آخر تجاوز سنوات القتل والدمار والتشريد فرحا غير آبه، استمرأ ما جرى رغم سيل العذابات والألم والدم.
مهمة إضافية إذاً لرأب الصدع ورتق الفتق بعد أن كبر وصار بحجم وطن يُختلف عليه، فما حدث من قصف ليس مساً بكرامة الوطن ولا اعتداء على سوريا، ولا ما تلاه من تفعيل لحلقات الدبكة نصر، كل ما حصل هو محاولة لكف يد القاتل عن القتل بالسلاح الكيماوي، ولا ضير إن فعل بسواه فهو باق بإرادة الغرب المهاجم ذاته، وبقوة الاحتلالين الروسي والإيراني، باق مختصرا الوطن وسلامته وكرامته بطلته الصباحية، تاركا عسكره القتلة لمهام "التعفيش" الأخيرة لما تبقى من ذكريات أهل الغوطة الباحثين عن وطن بعيد عن قصف الأسد وموته الأصفر وشماتة الراقصين المنتصرين، وطنا يحبونه.. ويخونونه كما خانه محمد الماغوط.
علي حميدي - موقع تلفزيون سوريا - 07 نيسان 2018
.