6 قراءة دقيقة
آخر ما تحتاج إليه سوريا

2026.06.24 | 09:24 دمشق


فتح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بابا جديدا للجدل، وعاد إلى التلويح بفكرة أن تتولى سوريا "الجديدة" تدخلا عسكريا في لبنان، ضد "حزب الله" بطبيعة الحال.
وقبل الغوص في التعاطي مع هذه التصريحات المتكررة خلال شهر حزيران/يونيو الجاري، والتي بدأها على هامش قمة السبع، وقبلها ما نشرته "رويترز" في آذار/مارس الماضي بعنوان: "واشنطن شجعت دمشق على التفكير في إرسال قوات إلى لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله"، لا بد من الوقوف أولا عند حجة هذا الطرح، وهي، بحسب ترمب، أن إسرائيل تقاتل "حزب الله" منذ وقت طويل ولم تنجح، أي أنّ المشكلة، وفق هذا المنطق، في طول المدة لا في الحرب نفسها.هذا التبرير لا يكشف عن فهم أو واقعية سياسية بقدر ما يعكس عدم دراية بتعقيدات المشهد وبالذاكرة الثقيلة، فضلا عن أنّ دفع بلد مثل سوريا، في هذه اللحظة، إلى ساحة حرب ليس خيارا بسيطا، بل مغامرة كبرى. نعم، قد لا يكون في كلام ترمب مشروع أميركي متكامل، بقدر ما هو ارتجال واستعراض ترمبي صار مألوفا ومعروفا، فالرجل يفكر أحيانا بصوت مرتفع، ويقول ما يخطر في باله، أو ما يؤلفه من دون أي اعتبار، بوصفه سياسة أو مناورة أو تهديدا أو تخريفا، ثم يترك للآخرين أن يكذبوه، كما فعلت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني مثلا، أو أن يفسروا ما قال، كما فعل الرئيس السوري أحمد الشرع في حديثه الأخير عندما فسر تصريح ترمب عن "تسليم ملف حزب الله لسوريا" على أنه "فُهم بشكل خاطئ"، وكأن سوريا تستعد لتدخل عسكري في لبنان، بينما الرؤية السورية تقوم على التنسيق مع واشنطن لوقف الحرب أولا، ومن ثم معالجة تداعياتها.
كن الرجل نفسه، الذي يطلق أحيانا أفكارا غير تقليدية أو غير مدروسة، قد تجده يفعل ذلك ثم يحول الفكرة بالطريقة الاستعراضية ذاتها، إلى طلب ومشروع، وإذا قدرنا هذا الاحتمال، فإن خيارا كهذا يعرف الجميع تقريبا أنه يصطدم بوقائع السياسة والجغرافيا والتاريخ، قبل أن يصطدم بحسابات الميدان.

والسوريون لا يملكون ترف الدخول في حروب، ولا الرغبة في ذلك، بحسب التصريحات المتكررة للرئيس السوري أحمد الشرع، وآخر ما تحتاج إليه سوريا الآن هو المشاركة في أي حرب، فكيف إذا كانت هذه الحرب ستضعها في خندق واحد مع الاحتلال الإسرائيلي الذي ما يزال يحتل ويتوسع في الأرض السورية حتى هذه الساعة؟ وإن أي مواجهة سوريّة مع "حزب الله" في هذا التوقيت ستُقرأ، مهما قيل في تبريرها، بوصفها خدمة للمصلحة الإسرائيلية.وليست المشكلة أن السوريين نَسُوا ما فعله "حزب الله" في بلادهم، بل إنهم يعرفون أيضا أن العدالة لا تتحقق حين تتحول بلادهم إلى طرف مع قوة تحتل أرضهم، أو مع إدارة أميركية يقودها ترمب ولا تخفي انحيازها لإسرائيل.وفي لبنان، أي تدخل سوري ليس حميدا، حتى لو جاء تحت عنوان أمني جديد؛ لأنه سيستدعي ذاكرة موجعة، وإذا كانت واشنطن تقول إنها تريد تقوية الجيش اللبناني وبناء ترتيبات أمنية داخل لبنان، فكيف يستقيم ذلك مع دفع دولة أخرى، هي سوريا الخارجة من حرب، ومعها ذاكرة لبنانية ثقيلة أيضا، إلى الدخول في الساحة اللبنانية؟وعليه، فالأسلم -بعد أن نحاول إيجاد طريقة للتعامل مع النهج الترمبي الذي أصابه المزيد من الشطط تجاه سوريا الجديدة- أن نفسر التصريحات بأنها ورقة ضغط سياسية ألقيت في الهواء، موجَّهة في الوقت نفسه إلى نتنياهو و"حزب الله" وإيران ودمشق.فواشنطن لا تريد أن تظهر كأنها تخوض حرب إسرائيل، لكنها لا تكف عن حراسة أمنها ورعاية طلباتها، تريد إضعاف "حزب الله"، لكنها لا تريد أن تدفع هي الكلفة، وتريد تهدئة الجبهة اللبنانية كي لا يتعطل التفاهم مع إيران، لكنها لا تريد أن تضغط على إسرائيل بما يكفي.

وفي الوقت نفسه، يحمل الكلام رسالة إلى "حزب الله" للضغط عليه، بالتذكير والتهديد بأن البيئة الإقليمية المحيطة لم تعد كما كانت، وأن الأمر لم يعد محصورا في مواجهة مع إسرائيل، بل في احتمال أن يجد الحزب نفسه أمام ضغوط متعددة الاتجاهات: أميركية وإسرائيلية ولبنانية، وربما سورية.لذلك كله، ليست الحكمة السورية اليوم في إثبات القدرة على الحرب، بل في حماية البلاد من حروب الآخرين، سوريا تحتاج إلى دولة، لا إلى جبهة جديدة، وتحتاج إلى إعادة بناء، هب أن ترمب أراد الضغط على نتنياهو، أو ابتزاز "حزب الله"، أو تحسين شروط تفاوضه مع إيران، كل ذلك ممكن، لكن ما ينبغي أن يكون مستحيلا هو أن تتحول سوريا، مرة أخرى، إلى بندقية في يد غيرها.