7 قراءة دقيقة
مزيدٌ من العربدة!
"عَربَدَ" تعني في لغة العرب ساءَ خُلُقه، وآذى النَّاسَ، الفعل بذاته قائم بين البشر، والصفة منه "مُعَرْبِدٌ أو عِرْبِيدٌ" كذلك هما تنطبقان على كُثر في منطقتنا والعالم، لكن الأذى والإساءة زادت اليوم بعد أن أصبح كل شيء مفضوحا نظرا لقلة الردع للبغاة المعربدين، وبالتصنيف لا يمكن اعتبار ما يفعله بشار الأسد أو روسيا مثلا وثلة الحلفاء في حزب نصر الله وغيره من أقزام النصر الإلهي أو الدفاع عن شرف العروبة المزعوم، لا يمكن اعتبار أفعالهم إساءة وأذى وحسب، فهي جرائم موصوفة ضد الإنسانية جمعاء بما فيها السوريون، جرائم تتزايد طرديا مع علو الأصوات والضجيج المناوئ لأفعالهم، وطالما أن رد الفعل يقف عند مرحلة "الصوت وبس" فلا يعتبر رادعا حقيقيا لأن المعربد أو العربيد لا يَفلُّ فعله إلا فعل من جنسه، المعربدون هنا في هذه الجغرافيا كثر منهم المحليون وآخرون أبعد، لكن شعبا ودولة وتاريخا ومجتمعا يحرق كاملا بأيديهم، بينما باقي الشركاء على هذا الكوكب يتفرجون.

منطق التاريخ يحتم أن تنتهي المأساة، أي مأساة، وإن طالت، لكنه لا يحتم أن تكون النهايات منصفة للمظلومين أو عادلة، وإن قبل بها الجميع (ظالما ومظلوما)، وقتها سيكون الخلاص هو الدافع والمحرك وليس البحث عن عدل أو انصاف وهذه قسمة ألفها العالم في مصائب الأقوام المقهورة التي يصل بها الحال لترضى بما يرضى به الغريق.. وهل لديه خيارات أوسع من البقاء على قيد الحياة، يتنفس؟

النهايات قادمة وثمة تحضير حثيث للقادم، كل البغاة يتحضرون ويحضرون، أما التعساء البؤساء في الشق السياسي من معارضة نظام الأسد فهم المتفرجون، وهم غاسلو الصحون حسب مقولة الراحل "محمد الماغوط"، بينما أصبح لقزم صغير جيش مدرب يقيم عروضا عسكرية ضخمة في مناطق احتلها وشرد أهلها بذرائع مذهبية فجة لم تثنه علاقة الجوار عن التصريح بها قولا وفعلا، إنه ميليشيا حزب الله التي أقامت عرضا عسكريا في منطقة القصير السورية عرضا يراد منه إقحام الميليشيا أو قل "الجيش الجديد" في النهايات بعد أن كان جزءا أصيلا من المأساة، وشريكا فعليا في كل الجرائم التي ارتكبت في سوريا.

نعيم قاسم نائب زعيم حزب الله اللبناني قال في معرض التعليق على العرض العسكري إن الميليشيا لم تعد تعتمد أسلوب حرب العصابات، وباتت أكثر تسلحا وتدريبا وخبرة، مرد التصريح بلا شك خمس سنوات ونيف من الإيغال بالدم السوري قتلا وتشريدا وتدميرا و"خبرة" الأهم أن قاسم أكد ما فسره الجميع وقال إن العرض "رسالة واضحة إلى الجميع لا تحتاج لتوضيحات، لأن أي تفسير سيُنهي دلالات هذه الرسالة وعلى كل جهة أن تقرأها كما هي"، كثيرة هي الرسائل فعلا، منها لميشال عون الرئيس اللبناني الحليف ولمسيحيي لبنان، ولسنّة لبنان المستضعفون منهم والمتهافتون على فتات السلطة وللسنّة الحالمون بحقوقهم في بلدهم، هذه الرسائل الداخلية، ورسالة للأسد بأننا حلفاء أنداد ولسنا تبعا لأحد ورسالة تطمين للراعي الإيراني وبعض من عرض العضلات للثوار السوريين، لكن ماذا بعد؟

هل الرسائل هذه كلها كانت هما وحيدا للميليشيا التي أوصلت مثلها سابقا؟ لا اعتقد أنه المأرب فقط، بل لا بد من التفكير جديا بالقادم التفكير في لبنان .. هل هو قادر أن يحتمل جيشا مذهبيا مدربا ومجهزا لكل الاحتمالات والأهم أنه قادر على احتلال البلد وليس بعيدا لو أراد ذلك، حزب الله لايريد أن يتابع النهاية كمتابع أو داعم للأسد بل يرد أن يكون شريكا على طاولة الحل والربط يريد حصة حقيقية تكفي طموحه الذي لا يتسع لبنان له، فمن أراد أن يجمع شركاء الأزمة السورية في أي "طائف سوري" قادم لابد له أن يحسب حسابا لجيش حزب الله الذي يكبر  ويتعامل مع طموحه وارتباطه الإقليمي بالمشروع الإيراني بمنتهى الجدية لأنه يتكرس، فإيران الفاعلة في العراق كأقوى القوى، والفاعلة في سوريا كشريك للأسد في القتل والدمار والنهب واقتطاع ما يمكن اقتطاعه من "الدولة السورية".

حزب الله اليوم بعد عرضه العسكري بالسلاح الثقيل القادم من الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر سيكون بلا ريب قوة قادرة على فرض ماتريد أو على الأقل جزءا مما تريد بمعزل عن الحصة الإيرانية وبارتباط استراتيجي معها، وهذا ما سيكلف السوريين خسارة أخرى إذ توقفت عجلة عملهم العسكري لصالح "توافق سياسي" يرضي الجميع، وأي قائل هل هي دعوة لاستمرار القتال وتجنيب الحلول السياسية؟ سيكون الجواب هو الركون للمنطق الذي يقول هل يمكن لجيش حزب الله أن يتخلى عن ما حصله في الحرب لصالح توافق سياسي يرضي السوريين؟ ألا يمكننا رؤية المشروع الإيراني اليوم ممتدا راسخا من حدود إيران إلى العراق فسوريا فلبنان عبر نقاط محسوسة إن كان في ديالا العراقية أو تلعفر أو البادية السورية وصولا للقصير والقلمون وريف دمشق فلبنان.

لا تبدو سوريا قابلة للتقسيم جغرافيا وهو ما أدركه نظام الأسد وإيران ولذلك سعوا لإفراغ بعض المناطق السنية ورسم خرائط بحدود مذهبية تقيهم التفكير في التعايش مستقبلا، وعندما أدخلوا حزب الله كان لا بد من ثمن يدفع له كحصة خالصة تعززه كقوة أساسية، ولا تبدو سوريا أيضا بكل قواها اليوم قابلة لأي حل سياسي توافقي وهو ما يجعل إرساء الوضع الراهن هدفا على أن يرافقه هدوء مدروس ليس إلا، وللوضع الراهن استعد حزب الله وجهز فإما وضعا راهنا مرضيا ومؤسسا أو مزيدا من العربدة.