
كانت ساعات قاسية، تلك التي قضيتها وزملائي في غرفة الأخبار وقتذاك، كانت لحظات تحبس الأنفاس وتطلق للدموع العنان، بعضنا كان يصمد صامتا أمام هول مايرى والبعض تخون العبرات صلابته، مشاهد قاسية تأتي من حلب أثناء قصف طائرات روسيا والأسد للأحياء المحاصرة من المدينة، وقتها حول القصف تلك الأحياء لركن من الجحيم، أحال بيوتها ركاماً وأهلها بين قتيل وجريح ومفقود ومفجوع ... مع تلك الصور الغزيرة الواردة من حلب إلى مكاتبنا، كان صمود المدينة وأهلها يتلاشى أمام العالم الزاهد بكل ما أَلمَّ بالسوريين.
سيل من الأفلام والصور المحشوة بالقهر تصل تباعا إلينا لا مكان في القلوب لكل ذاك الحزن العارم ولا مكان لهذه الصور سوى القلوب، لأن عرضها على الشاشات يخالف كل أخلاقيات النشر، ومن بين تلك الأفلام شدتني صورة أُم شابة واقفة بذهول لم أرَ مثله قط، هو مزيح من الفجيعة والحسرة والترقب، تمشي ببطء بين جموع المسرعين وكأنها لا تعي ما يحيط بها، فالبناء الذي كانت تسكنه والمؤلف من عدة طوابق طاله صاروخ أو عدة صواريخ، دمرته ودفنت الجزء الأكبر منه تحت الأرض وأحالته كومة من حجر وبشر.
مسرعون تائهون، يصم صراخهم ونشيجهم الآذان يبحثون بين حجارة منازلهم عن بقايا أحبائهم، إلا هي، متسمرة في المكان وبيدها فردة حذاء أبيض صغير ملطخ بالدم تبحث عن صاحبته لكن جسدها خذلها، فلم يعد يعينها على الحركة، وبينما تقرّب الصورة وجهها أكثر تبدو مشدوهة تبحث بمقلتيها فقط، نظرة تجاه الركام وأخرى على حذاء الأميرة الموءودة الذي تحمله بكفيها ... مشت، تبعها المراسل الصحفي، توقف قربها صامتا، استمر ذهولها وقالت بحشرجة: لم أجد منها إلا الحذاء ..راحت! وبدأت بالنحيب كان صوتها الواصل إلي من خلال المادة المصورة يمزق الروح.
تابعت مصير المرأة، وما زلت أبحث عن تواصل معها طمعاً بإجراء مقابلة تحدثني بها عما جرى ذاك اليوم المشؤوم حتى استطعت الوصول لمن يصلني بها، وفعلاً فعلت، هاتفتها من خلال الوسيط وطرحت عليه الفكرة علها ترضى بأن تكون في فيلم قصير يحكي عن بعض الألم الذي عاشته وأقرانها من سكان حلب الشرقية، عندما تُركوا تحت رحمة وابل النيران الروسي الذي أخرجهم لاحقا مما تبقى من مساكنهم في حلب، وما أن بدأت بالحديث وأخبرتها كيف عرفتها من خلال تلك الصور التي أرسلها المراسل سابقا حتى قاطعتني رافضة أي ظهور أو حديث عن ابنتها أو ما جرى معها، حاولت كثيرا بإلحاح، لكنها أصرت على رفضها وعندما سألتها ماذا تريد... أجابت: أريد ابنتي حية، أريد أن أضمها إلى صدري مرة أخيرة ولتموت بعدها .. أريد ابنتي حية لأعانقها بما يكفي لأحتمل غيابها الطويل، أريد ابنتي حية لأستعيد من عناقها يديَ!
هنا لا لغة تسطيع مجاراة ماتقول، لا لغة، سقطت الأبجدية وضاق التعبير وتجمد الدم في العروق، وما إن هممت بالحديث مجدداً حتى قاطعتني بنوبة نحيب طويلة، كانت الزفرات تصلني وتنهي انتهازيتي وتعريني أمام إنسانيتي فأنا إنسان ولست صحفياً وهذا البكاء لا تليق به الأفلام هذا أسمى مقاما، واصلت تكلمني دون أن أفهم مزيج الصوت والزفرات والشهقات والبكاء، وما إن هدأت قليلا حتى قالت أنا أريد جسد ابنتي أو بقيته الباقية، أواريه الثرى في قبر بقربي، أزوره وأقرأ عليه بعضا من يس فأنا كنت أتلوها لها وحفظت عني بعض آياتها، أريد قبرا لابنتي أحمل إليه الورود وأزرع حوله بعض الرياحين .. أنهيت مكالمتي وقد حطمني ما سمعت وترك في الروح ندبة.
تلك أيام طويناها حاملين ألمها المستمر، وحسبناها راحت ولن تعود، تلك أيام حملت صواريخ غادرة قتلت الآلاف ومزقت أجسادهم ودفنتهم تحت الركام وتركت ذويهم في حسرة لا تزول، لكن ما خلناه راح تاركا في أرواحنا نُدبه، يعود اليوم على هيئة جريمة مفردة، ضحيتها جسد واحد والعالم بأسره يبحث عن هذا جسد أو بقيته الباقية، يبحث في إسطنبول العامرة عن ذاك الجسد الذي مزقته أيدي من يفترض أنهم إخوانه..استدرجوه إلى ما يفترض أيضاً أنه بعض وطنه وقتلوه هناك، ولم يكتفوا فالرجل كان عبئاً ثقيلاً عليهم وعلى سطوتهم في حياته، وكذلك بعد قتله أصبح جسده عبئا أثقل، فلم يواروه ويكرموه بل قطعوه أو أذابوه وحسبوا أن الدم يموت.
لكن هذه المرة الدم لم يمت بل أوقف العالم على رؤوس أصابعه، وأجبره على إكرام الرجل بالبحث وراء مصير، وأجبر جسده المقطع، القتلة على الاعتراف بما اقترفت أيدهم وأصبحوا بعيون العالم مجرمين، وهم كذلك، لكن مهما كانت ثمرة هذا الجهد فلن تعيد الرجل حيا وستبقى الحسرة، والحسرات متشابهات فإن لم أسمع نحيب أحباء "أبي صلاح" وأهله فأنا سمعت نحيبا مشابها وأعرفه، وإن لم أقابلهم وأرى الذهول والفجيعة في عيونهم إلا أنني رأيتها في عيون تلك الأم وأعرفها، وأدعو أن يخفف الله عنهم، فتلك لعمري مقتلة للروح، وإن كان لدى المجرمين بعض من حياء فليطلعوا الباحثين عن مكان الجسد (وكم من الصعب أن نقول أو بقاياه) حتى لا تطول المقتلة، ففي كل لحظة يموت أولئك المكلومون مرة، ومع كل خبر يُقتلون مرة، فقتل فوق قتل .. وحسرة فوق حسرة، وليكن لجمال النبيل قبر .. يزورونه ويقرؤون عليه بعضاً من يس ويحملون إليه الورود ويزرعون حوله بعض الرياحين.