5 قراءة دقيقة
إسرائيل.. هي التي نعرفها

2025.07.17 |  دمشق


رغم تبدّل الأزمنة والرجال، وحال الأمم، وسقوط أنظمة، وصعود أخرى، رغم النُصُر والهزائم وأحوالها، رغم كل أشيائنا في هذا الشرق القَدَري، تبقى إسرائيل هي التي نعرفها على حالها، إذ لا يوجد نظام استيطاني استعماري نشط ومعترف به رسمياً في العالم يُماثل النموذج الإسرائيلي من حيث شمولية المشروع، ودعمه السياسي والقانوني من دولة قائمة، وما يزال يرى في القوة والغطرسة وسيلته الوحيدة للتعريف بنفسه، وفي العدوان طريقه لإثبات وتثبيت حضوره، وفي إضعاف محيطه ضمانته للبقاء.

لم تكن يوماً دولة "طبيعية" تبحث عن علاقات متوازنة مع الجيران. سجلاتها العسكرية والسياسية، وحتى الأمنية، تفيد دائماً أن سلوكها لم يكن ردَّ فعلٍ على تهديد، بل امتداداً لعقيدة ترى في الآخر (أيّ آخر) خطراً يجب إزاحته أو تطويعه. وهذا ما نراه اليوم مجدداً، وسنراه، في استمرار عدوانها على سوريا، التي لم تُطلق تجاهها لا تهديداً ولا طلقة، بل يمكن أن نقول، بغصّة: "على العكس"، وكأنها تُثبّت مثبتاً أن النظام المخلوع كان محمود الوجود رغم بشاعة عصره بزمانيه، ولا أدلّ على ذلك من عدوانها، الذي تلا إسقاطه، على كل مقدّرات الجيش السوري التي بُنيت من قوت ودماء الشعب.

سوريا، المُثقلة بجراح حرب طويلة خاضها الشعب مُجبراً، بل خيضت ضدّه، لم تعد تُشكّل تهديداً. لا من النظام، ولا من المعارضة، ولا من أي فاعل داخلي. ومع ذلك، يستمر العدوان الإسرائيلي، ويتّسع، بكل وقاحة، ليطول مواقع عسكرية، بنى تحتية، ورموزاً سيادية، بل وحتى أحياءً مدنية أحياناً، وأنفُساً وحيوات مواطنين، وكأن الرسالة: الغياب عن المواجهة لا يعني الغياب عن بنك الأهداف.

ما يجري ليس استثناءً، بل نهجٌ مستمر، مستندٌ إلى قناعة من يحكم في إسرائيل بأنها فوق المحاسبة، وأن تفوقها العسكري وحده يكفي لصناعة الوقائع. هنا، لا يعود "السلام" إلا قناعاً هشًّا، فظَّ الهيئة، ولا يبدو "التطبيع" أكثر من فرصة لتكريس اليد العليا، فوق أيادٍ لا تبدو تدرك، أو أنها اختارت الحال السفلى.

الضربات على دمشق وجنوب البلاد لا تُفرّق بين "عدو" وصامت أو راغب. في منطق إسرائيل، الجميع خاضع لمعادلة بسيطة: من لا يستطيع الردّ، لا يستحق الاعتراض. هذه ليست لحظة طارئة، بل بنية عقلية تعود لعقود.

ولا يمكن فهم هذا السلوك من دون وضعه في سياق أوسع، سياق تسعى فيه إسرائيل، كما هو ديدنها، لإعادة هندسة التوازن الإقليمي بما يضمن بقاءها على القمّة. حتى لو كانت قمة ركام، لا تكتفي بردع ما قد تراه خطراً بحساباتها، بل تعمل على منع أي فرصة لقيام توازن حقيقي مستقبلًا، حتى لو كان هشّاً.

السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تريد هذه "الإسرائيل"؟ وماذا نريد؟ للأسف، الحقيقة بسيطة ومخيفة في آن: لا يكفيها أن تكون آمنة، بل تسعى لأن تبقى المنطقة كلّها رهينة للخوف (تخويفها) والارتهان لمزاجها في لحظة غضب أو انتخابات! في حالة دائمة من التفتّت والقلق.

من هنا، فإن الصمت لا يحمي، والحياد لا يُعفي، والتنازلات لا تُنتج سلاماً. تكرار الاعتداءات رغم غياب أي سلوك عدائي من أحد، يكشف أن المشكلة ليست في تصريحات أو سياسات، بل في منطق استعلائي يرفض الاعتراف بسيادة من حوله.

لا يعني هذا أننا أمام خيار التصعيد، لكنّنا أمام ضرورة الوعي. الوعي بأن الانكفاء لا يُنهي العدوان، وأن كرامة السيادة لا تُصان بالصمت. ولا تُمنح بالاستعداد لمدّ يدٍ قد تكون بين الأيادي السفلى.

إسرائيل، لم تتغيّر… ولن تتغيّر. نحن من يجب أن يتغيّر فهمه لها، ولأنفسنا وخياراتنا. ستمارس الاحتلال، والقصف، والتوسع بلا رادع، وتستغل هشاشة الواقع العربي والإقليمي، وتعامي المجتمع الدولي، لصناعة واقع جديد، بالقوة.

التحدي اليوم هو أن نعيد صياغة فهمنا لهذه الحقيقة. أن نخرج من أي وهم عن تسوية مجانية، ونفكّر بكيفية صون السيادة، لا بالشعارات، بل بالإرادة والاتساق مع الذات… ومع السوريين.


https://www.syria.tv/322409