علي حميدي
تاريخ النشر: 2016-08-08
عندما ترى طفلاً أو يافعاً يدفع أمامه إطاراً مطاطياً في الشارع فرحاً فلا تحسبه دائماً يلعب، ولا تحسب المشهد عادياً في أخطر بقاع الأرض، وعندما ترى ضحكات هناك تشق الشفاه بمشقة، وفيها سخرية عظمية من معذبها، فلا تحسب أن في الحياة هناك، ما يبعث على المسرة، وما اللوحات الصغيرة التي يرفعها الشباب ويكتبون عليها عبارات الصمود وتحدي الحصار بالشيء العادي، تفرّس في هذه المشاهد إنها مقاومة، وتأمل هؤلاء جميعا وهم يقاومون بعدما ثاروا، يرسمون ملامح حياتهم التي اختاروها طواعية، فإن كان الحصار نتيجة، فليس للثورة وما الحصار إلى حالة فرضت وكما ثاروا، هاهم يقاوموا من ثاروا عليه، وشاءت الحكاية أن يأتي يوم فيحاصرهم، وماهذه الأحداث وما سبقها وما يليها من اجتهادات ذاتية إلا نضال أممي، وماتعريف النضال الشعبي إلا ذاك.
ولأنه حاصرهم كانت المعركة وهي إن تندلع على أطراف أحيائهم كانت لهم مشاركتهم فيها، وهذا يعيدنا قليلا للتذكر بأن في الأحياء المحاصرة من حلب مجتمع قائم مازال، فيه من الحياة ما يستحق الدفاع عنه، وفيه من فيه من ناس يحلمون بأن تكون لهم يوما حياة ولو على بقايا بيوتهم ومحالهم وبقايا ما تبقى لهم، هم المصرون على البقاء فوق هذا الركام، وهذا الوجود بحد ذاته حرب مفتوحة على كل من يريد اقتلاعهم من حلب بالقوة أو بإخراجهم من خلال ممرات "إنسانية" بحجة إنقاذهم، وهذا بعُرف العالم المتحضر، تطهير وتهجير مُعد ومرتب، لكن بقناع مفضوح فكيف تدعي قوة أنها أتت محرِرة، والحديث هنا عن قوات الأسد ومن معها من مليشيات كيف تدعي ذلك ولا تخجل من طلبها للناس بأن يخرجوا من بيوتهم، فإن كانت هذه القوة قوة "تحرير" فلتدخل وتحمي هؤلاء الناس وتؤمن لهم حياتهم إن كانت قادرة وإن كانوا راغبين، لكن الأسد يعلم ومن وراءه بأنهم في هذه الأرض ليسوا إلا قوات احتلال استجلبت مرتزقة من إيران وباكستان وأفغانستان ويساعدها حزب الله الأكثر تنظيما يسوس هؤلاء جنرالات إيرانيون معبأون إيديولوجيا، وتحميهم طائرات روسية لا تتوانى عن بالقصف بكل ما أوتيت من قنابل.
المعركة في حلب حاسمة، فاصلة بين مرحلين كما أراها وأعتقد أن أغلب المتابعين يرونها كذلك، لا مجال للخوض في العمل العسكري الميداني وهي حرب حقيقة دائرة، لكن ما يمكن أن يستحضر في معارك عظيمة كهذه هو الحضور الطاغي للقوى الاجتماعية التي تمثل أهل حلب المحاصرين، وهذا التعالي الواضح على الجراح والصعاب التي يقاسونها جراء حصارهم من قوى أقل ما يمكن وصفها به بأنها قوى "معادية"، فلا يمكن أن تمر حادثة حرق إطارات السيارات وما نتج عنه من دخان كثيف، عطل وإن جزئيا حركة الطائرات الحربية والمروحيات دون الوقوف عندها كحالة مقاومة اجتماعية شارك فيها الكل وأعني هنا بالكل مجتمع بأسره، طفل يدفع الإطارات لمكان الحرق وشباب يبحثون جادين عن الإطارات ومخازن لهذه الإطارات فتحت وثمة من نظم العمل والتوزيع الجغرافي لأماكن الحرق للوصول للغاية، ولا يهمل صبر القاطنين للأحياء على الدخان، وفي هذا المشهد استرجع مقطعا مصورا لنسوة من حي السكري يباركون الحرق والدخان باعتباره أخف وطأة من القصف والبراميل لتستدرك إحداهن بأنها تحتمل الدخان فرحة، لأنه يساعد الثوار في معاركهم ويقيهم قصف الطائرات.
وفي مشهد آخر شاب يأتي ببعض أثاثه المنزلي ليحرقه مع الإطارات وإن كان الأثاث قديما أو حتى باليا لكن من في هذه الأحياء من حلب، لا يملك أحد رفاهية الاستغناء عن شي، فكل ما أحرق هو عزيز وغال في ظل حصار من لايرحم، المجتمع الحلبي هذا كان يقابل آخر يفرح بحصار قوات الأسد للمدينة، لكن ضحكات الأطفال وأيديهم المسودة من أثر جمع ودفع وإحراق الإطارات ونشوتهم بالمساهمة بتحييد الطائرات التي تقتلهم، هذه الضحكات هي سلوك راقي من مجتمع واع، يعي بأن هدفه هو الحياة بكرامة وليس ضمن أجندته الانتقام أو السعي للحرب، وفي حلب المحاصرة خرج الشباب بلوحات كتبوا عليها بأن حصار الأسد لن يركعهم وما الممرات الإنسانية التي فتحها إلا خدعة لن تنطلي عليهم وقابلوا ذلك بشجاعة وتحدٍ، كتب شاب عالجدار "لست محاصرا مادمت تقاوم" وسيدة رفعت "حلب تخوض معركة أمة"، وأعيد هنا بأن هذا العمل الشعبي المتزامن مع قتال الثوار على الأطراف لفك الحصار ماهو إلا النضال الشعبي الأممي.
الأحداث في حلب تتسارع، وثمة مفاصل تاريخية تنشأ اليوم على أرضها ولايمكن أن تمر الساعات القادمة دون جديد، ولا يمكن أن تكون أيام حلب القادمات بل أيام سوريا - ولا أبالغ إن قلت الإقليم - كالأيام السابقات وإن كنت تجاوزت الميدان وما آل إليه أمر السيطرة على الأرض فلأنني مأخوذ بعزيمة هذا الشعب المحاصر الجبار ومسحور بمشاركته التي يحق لي أن اسميها مقاومة اجتماعية في ظل ثورة شعبية لابد أن تؤتي أكلها، في حلب لايقاتل الشباب من كل سوريا ببسالة لتحريريها فقط، في حلب.. أمة تقاوم.
https://o-t.tv/lri