علي حميدي
تاريخ النشر: 2016-03-16
يقول صديقي الصحفي العتيق "الكلاب تهز ذيولها"، ويُنقل عن حافظ الأسد بأنه قال "قوتان لا تقهران، قوة الله وقوة الشعب." قد يكون قال، أو أنه قرأ ما كتب له أحد كُتاب خطاباته، لكن للأسف لا يبدو ابنه بشار قارئاً جيداً حتى لتلك الحكم الفريدة التي ساقها يوما أبوه أو أُلصقت به، فلو قرأ هذه العبارة لما قرر أن يصطدم بقوة الشعب التي لا تقهر! لكنه اصطدم ولخمس سنوات متتالية، خسر كل شيء تقريبا، ورهن كل ما لديه من "سيادة" مقابل تأمين آليات ووسائل لخوض الحرب ضد الشعب السوري، من استجلاب حزب الله وإيران وشذاذ الأفاق، إلى أن وضع بيضه كله في سلة فلاديمير بوتين القيصر الجريح المعاقب وقتذاك، فما كان من بوتين إلا أن استغل تلك الفرصة لرمي أحجاره على رقعة العالم من خلال الباب السوري، الذي كان ضيقا، فكانت أول النتائج أن ارتطم بالباب العالي، وبدأ ينفذ ما خطط له، وأصبح بشار الأسد وقضيته مجرد ورقة لعبة، حتى وصف يوما من قبل رئيس مركز "كارنيغي" الروسي أليكسي مالاشينكو، بأنه مثال على "محاولة الذيل التحكم بالكلب"، وأنه (أي بشار) يحاول الإيحاء لموسكو بأنه لن يكون هناك وفاق بينها وبين النظام من دونه، يحيلني هذا التوصيف إلى مقولة صديقي الصحفي العتيق "إن الكلاب تهز ذيولها، ولا تهز الذيول الكلاب"، فهل أنهى بوتين حفلة الهز وملّ ذيله أم أن الصفقة تمت؟
كل ما جرى في سوريا مذ باع بشار الأسد نفسه لكل من يبقي له حكمه، كل ما جرى ويجري ينفع أن يوصف بالصفقة، أو الصفقات، وبعد نهاية كل واحدة ثمة رابح وخاسر ومستفيد، لكن يبدو بشار خاسرا باستمرار لسببين أساسيين، أولهما كشفته حكمة الوالد "قوة الشعب لا تقهر" وثانيهما أنه سلعة نافقة لا ثمن لها، وما لعب الكبار والصغار بها إلا لمصالح آنية ويبدو أنه يدرك كل ذلك، ولا وسيلة لديها سوى أن يستمر في تأجير ما لديه، وما أن ينتهي الجدول الزمني للصفقة، حتى يبحث عن الزبون التالي بعد بوتين الذي أعلن على الملأ أنه أنهى حربه المقدسة وترك "الذيل" وحيداً، وهذه حقيقة كان يدركها بشار الأسد ويحاول عابثا أم مجبرا لا خيارات لديه أن يستخدم الضربات الروسية أطول وقت ممكن، ويستفيد من لعب روسيا به قدر المستطاع وبشكل فج أحياناً دفع في مرة فيتالي تشوركين للقول "لا تركّزوا كثيرا على ما يقوله بشار الأسد بل على ما سيقوم به في النهاية" وبذات الطريقة التهكمية ذكره ميخائيل بوغدانوف بأن عليه أن يمتثل لتوصيات موسكو "لأن قواته لم تكن لتصمد طويلاً لولا التدخل الروسي."
الفراق حصل وكثرت حوله التفسيرات لكن أيا تكن دوافعه، ومعطياته إلا ثمة دلات في كل شيء رافق هذا الانسحاب، وهذه الدلالات تبدو شديدة القسوة على "الذيل المتروك" وفي قراءة سريعة نجد أن الضجة الإعلامية لقرار الانسحاب كانت كبيرة، وتبدو مقصودة، إذ أعلن بوتين شخصياً الأمر، وفي وسائل الإعلام لأنه يقصد الفضيحة، ومن وراء ذلك له مآرب كثيرة وفي هذه الإطار يمكن أن نصنف كل الأخبار التي تقصدت وسائل الاعلام الروسية بثها تواليا من اعلان الخبر إلى خبر سحب الطائرات فوصولها، أما توقيت الانسحاب فقصة أخرى إذ يأتي متزامنا مع شحنة معنوية كبيرة يعيشها الشعب السوري في ذكرى ثورته الخامسة، ويأتي متزامناً مع جولة مفاوضات جنيف التي قيل أنها حاسمة، وفي التوقيت أيضا دعت تركيا الفصائل العسكرية لاجتماع في أنقرة، يحضره رياض حجاب المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات التي تلقت دفعة معنوية كبيرة، وهذا يعني أن تركيا كانت على دراية بالانسحاب وأرادت الترتيب لما بعده، وكل هذا وغيره يؤكد أن بشار الأسد وفريقه مصدوم بما يحصل وتبدو الرسالة الروسية له أكثر وضوحا هذه المرة، بأن مرحلة التمييع والتهرب والإغراق بالتفاصيل انتهت، أو على وشك، وأن حجمه الحقيقي أًصبح معروفا ومكشوف الغطاء وعليه أن يفاوض بما يملك فعلا من أوراق على ندرته ولا يشطط في الأوهام، ومن لديه شك بالرسالة الروسية وصدمة "الذيل" فليراقب ردود الفعل التي توالت من النظام وأركانه وداعميه المباشرين، ولنقف طويلاً عند ما نقلته (رويترز) عن أن مساعدة لبشار الأسد تطلب من الولايات المتحدة أن تمارس المزيد من الضغوط على الأطراف التي تعارض عملية السلام في سوريا...بثينة شعبان بكل "وقارها" و"وقار" سيدها الذي تساعده، يتسولون على أعتاب البيت الأبيض، هذا ما جنى عليهم بوتين.
https://o-t.tv/h5S