
2025.02.09 دمشق
سيقف فريد هذه المرة أمام الكاميرا، بعد أن تجنّبها طويلًا خوفًا على حياته ومشروعه. سيمر أمامنا بوجهه الطيب وصوته الهادئ، من دون ضجيج أو حشود، لكنه محمّل بذلك الثقل الذي يسكن النفوس شوقًا لصورة لطالما حضرت قبل أن تُرى. لمن حمل في قلبه ويديه آلاف الصور، آلاف الوجوه اليابسة التي فقدت أسماءها في أقبية الموت، لم يعد ظلًا ولا طيفًا أزرق، لم يعد مجرد قصة تروى في جلسات الاستماع، بل جسد ينبض، وعينان تحملان ذاكرة الأسى. لا حاجة للقناع بعد الآن... لقد انتصرنا يا فريد، وكنت من أوائل الفرسان.

فريد المذهان، مصوّر لم توثق عدسته الجمال، بل سجّلت كابوس القتل، هو الذي أوصل إلى العالم نظرات أولئك الذين صُوّروا موتى تحت التعذيب، وبالجوع والترك، ليصبحوا شهداء في ذاكرة الإنسانية. عبر الحدود حاملًا ذاكرة من موت، صورًا لجثث أنهكها العذاب، ووجوهًا رسمت خطوط الدم اليابس تضاريسها، وأرقامًا لُصقت على الجباه لتُوثّق الجريمة وأصحابها. كان يعلم أن كل صورة التقطها كانت توقيعًا على موت، لكنه صيّر مهمته لتكون أسمى من أي خوف.لماذا كنت تصوّر الجثث؟ سأُل، ولم يكن لديه جواب منطقي، قال: ليتأكد رأس النظام أن ضحاياه قد عُذّبوا بما يكفي وقتلوا، يتحدث بصوت هادئ مرتعش، يكاد صوت احتراق الحطب في المدفأة يطغى عليه، ارتجف غير مرة، حين تحدث عن فشله بالتعرف على صور أقاربه الذين قُتلوا، وكان يعلم أنه صورهم، وحين تحدث عن صوره التي كانت تكلمه في الليل، توصيه أن يحمل وجع أصحابها إلى العالم، وأن يجعل من صمتهم النهائي صرخة، فقرّر أن يفعل. وفعل.

بدأت الرحلة من بيته في مدينة التل بريف دمشق، لكنها لم تنتهِ عند الحدود، بل استقرت في ضمائر الأحرار، حيث أصبح وجهه البسيط أيقونة، وصوته الدافئ تراتيل للحرية.
فريد المذهان، ابن محافظة درعا، عبر الحدود حاملًا مشروعًا يقطر دمًا، ومضى غير عابئ إلا بالعدل. حمل مشروعه سنوات طويلة، وغامر بأغلى ما يملك لأجل العيون المفقوءة، والأجساد اليابسة، والأطراف المحروقة. في رحلته التي امتدت إلى الولايات المتحدة، وغيرها ليستقر في فرنسا، وكان لمعاذ مصطفى، المدير التنفيذي للمنظمة السورية للطوارئ (SETF)، دورٌ بارز في مساندة "قيصر" منذ انشقاقه، وحتى تسريب الصور التي هزّت العالم، وصولًا إلى قانون العدالة والمساءلة، الذي وُلد من رحم هذه الشهادات.
