13 قراءة دقيقة
تلفزيون سوريا.. الاسم والمعنى

2026.09.08 | دمشق


في العام 1865 صدرت في دمشق صحيفة حملت اسم "سورية". وبعد أكثر من قرن ونصف، وفي ربيع العام 2018، مُدّت الألف من آخر الاسم، ووُلد "تلفزيون سوريا".لم تكن المسافة بين الاسمين لغوية فقط، ولا السنوات المئة والثلاث والخمسون التي تفصل بينهما مجرد مصادفة تصلح لافتتاح مقال، بل تحمل معنى أعمق. ففي الحالتين كان هناك بلد يبحث عن صوته. وفي المرتين كان اسم البلاد فوق وسيلة إعلام. لكن تلفزيون سوريا وُلد والشعب السوري يكاد يخسر بلده، ويحتاج إلى من يحفظ سردية ثورته وحكايته. كان السوريون موزعين بين بلادهم والمنافي والمخيمات والسجون، وكانت سوريا التي نعرفها تكاد تضيع خلف صورة نظام الأسد، الذي أراد اختصار البلد كله فيه.بدأت الحكاية فعليا عام 2017، وانطلقت الشاشة في آذار 2018. وكان ذلك واحداً من أصعب أعوام الثورة السورية. ساد مشهد التهجير، ومشهد الحافلات الخضراء تنقل الناس من مدنهم وقراهم إلى الشمال، في الوقت الذي كان فيه حلفاء نظام الأسد يسعون إلى إنقاذه وتعويمه، حتى غدا خطابُ انحسار ِالثورة وتراجعِها، بل وهزيمتِها وانتهائها، هو السائدُ سياسياً وإعلامياً.

في تلك اللحظة الحرجة تماماً، وُلد تلفزيون سوريا، لاجئاً كما كان غالب السوريين، حاملاً اسم البلد وأحلام أهله وتطلعاتهم إلى الحرية والكرامة. ومن نافلة القول أن المشروع، بفكرته وهدفه ومَنْ وقف وراءه وعمل فيه، لم يراهن على السياق الإقليمي والسياسي، وإنما راهن على حق شعبٍ بدا، بمقاييس القوة يومئذ، في الجهة الخاسرة. لقد كان تأسيس تلفزيون سوريا في تلك الأيام الصعبة بحد ذاته إعلان تحدٍّ وإصرار على عدالة قضية الشعب السوري.ومنذ البداية، لم يكن الاسم ادّعاءً بتمثيل حكومة، ولا محاولة للاستحواذ على هُوية دولة. كان المعنى أبسط وأثقل في الوقت نفسه. هذه شاشة تتوجه إلى كل السوريين، وتحمل حكاياتهم وقضيتهم، وتؤمن بحقهم في الحرية والكرامة، وتريد أن تُبقي سوريا أكبر من ذلك النظام الذي حكمَها. ومن هنا تحديداً تبدأ مفارقة ما يجري اليوم.

فالاسم الذي وُلد مع التلفزيون في المنفى، وحمله طوال سنوات الثورة والحرب والتهجير والتحرير، صار للبعض، على ما يبدو، مشكلة، بعدما دخل التلفزيون إلى سوريا، وحصل على ترخيص أولي للعمل فيها. وطفا على السطح مَنْ يريد أن يجعل مِنْ حملِ مؤسسة إعلامية مستقلة اسمَ البلد نفسه الذي وُلدت من أجله موضعَ إشكال، ليس لأن الاسم يخالف قانوناً واضحاً يمنع هذه التسمية أو ينظمها، ولا لوجود نصّ يقول إن كلمة "سوريا" ملك حصري لجهة ما، بل لأن بعضهم يغلّف معارضتَه لوجود إعلام سوري مستقل بادعاء أن الاسم يسبب التباساً لدى الجمهور حول صفة التلفزيون، فقد يحسب أنه تلفزيون الدولة الرسمي.
ونحن، إذ نعرض هذه المسألة، نعي حجمها الحقيقي وقدرها ومصدرها. فالواضح أن ثمة عدداً قليلاً من الأسماء تنخرط في حملات تحريضية ممنهجة ضد التلفزيون، متذرعة باسمه تارة، وبمحتوىً ما تارةً أخرى. وفي كل مرة يُنقَل الموضوع إلى منصات التواصل الاجتماعي عبر ما يسمى بالإعلام الرديف ومَنْ يدور في فلكه، رغم وجود تواصل رسمي محمود مع المعنيين الرسميين بالأمر. وهذا ما يثير أسئلة مشروعة عن الهدف، وعن دور هذا النوع من الإعلام في التضييق على وسيلة إعلامية وطنية مستقلة. فلا توجد، بحسب ما نعرف، مشكلة لدى السوريين مع اسم تلفزيون سوريا الذي وقف معهم ووقفوا معه، ولا لدى من يتعاملون مع الجمهورية العربية السورية فيلتبس الأمر عليهم. ولم نرَ نقاشاً وطنياً واسعاً يسأل لماذا تحمل هذه المؤسسة اسم البلد، جميع السوريين يعرفون أن التلفزيون مستقلّ منذ نشأته، والأفراد الذين يشنون الحملات عليه من حين لآخر، من ما يسمى الإعلام الرديف أو مَنْ دونه، يقدمون الدليل على ذلك من حيث لا يدرون. فلم تحمل قناة رسمية هذا الاسم في الماضي، أما القنوات الرسمية في الحاضر فاتخذت لنفسها أسماء القنوات الرسمية التي كانت قائمة.إذن، فالمشكلة أبعد، وهي في أمرين، أولهما فكرٌ نبتَ مؤخراً على الأطراف، لا يعجبه وجود إعلام مستقل وقوي، ويجد في كثرة المؤسسات الإعلامية أزمة، وكأن البلد الذي خرج لتوّه من أكثر من نصف قرن من احتكار الصوت والرأي والصورة والخبر يحتاج إلى تقليل عدد الأصوات، لا زيادتها. وثانيهما في أن تُفهَم الدولةُ مرةً أخرى بوصفها سلطة وصوتاً واحداً، وأن يتحول اسم سوريا إلى شيء تمنحه الحكومة وتحجبه، كأنه ملكٌ إداريّ لا معنى وطنيّ عامّ. هذه فكرة لا تناسب سوريا التي دفع أهلها كل تلك الأثمان ليصلوا إليها. والاسم في حالتنا ليس ترفاً، بل كان حاجة ومطلباً، وليس لافتة ولا اختياراً تجارياً يمكن تبديله بسهولة.تلفزيون سوريا لم يظهر الآن، وإنما شبَّ مع السنوات وهو اليوم مؤسسة كبيرة تُعاقَب على العمل فيها ومعها مئات الصحفيين والفنيين والإداريين.. اختلفوا في أشياء كثيرة، وأخطؤوا في أشياء، ونجحوا في أخرى. لكن المؤسسة لم تخطئ في المسألة الكبرى، بقيت مع السوريين وحقهم في الحرية، حتى عندما صار التمسك بهذا الموقف مكلفاً أو غير رائج لدى كثيرين. وحتى حين تراجع اهتمام وسائل الإعلام بسوريا، وصار كثيرون يتعاملون مع بقاء الأسد بوصفه قدرا نهائيا.
إلى أن جاءت اللحظة، وانطلقت معركة ردع العدوان، وتقدمت الأحداث بسرعة لم تسمح حتى بالتقاط الأنفاس. كان تلفزيون سوريا واسمه في كل مكان. في الميدان وعلى الهواء، يتابع وينقل لحظة بلحظة، لا بوصفه خبراً كبيراً فقط، بل بوصف هذا الحدث فصلاً يغيّر تاريخ البلاد. ثم كان ما انتظرناه، سقط بشار الأسد، وعادت البلاد إلى أهلها، وعاد السؤال المؤجل أربعة عشر عاماً. ماذا سيفعل السوريون بالانتصار بعد أن أمضَوا كل هذا الوقت يحلمون به، وقدموا من أجله التضحيات الجسام؟ووجدت المؤسسة نفسها أمام السؤال نفسه؛ وهي المؤسسة التي كان معظم العاملين فيها عاجزين عن دخول بلادهم، وبعضهم عاجزاً حتى عن ذكر اسمه علناً، فانطلقت إلى دمشق، لا لتحجز موقعاً بين المنتصرين، ولا لتطلب مكافأة على موقف سابق، وإنما لتعمل في مكانها الطبيعي، وهل من مكان أجدر بها من البلد الذي انتظرت وحلمت بالعودة إليه وحملت اسمه؟
ومن هذا المنطلق، بدأ تلفزيون سوريا مع السوريين معركة جديدة، معركة بناء بلد يستحق كل ما دُفع من أجله. وأصبح السؤال عن العمل الإعلامي عموما أكبر من اسم المؤسسة.ولم يغب هذا السؤال عن استراتيجية العمل في التلفزيون، إنما تغيرت المهمات، لأن الصحافة مسؤولية، وهي بالنسبة لنا مسؤولية وطنية أيضاً. صار على المؤسسة أن تواكب الدولة في زمن البناء، وكما دافعت عن حق الناس في التحرر من الاستبداد، عليها أن تدافع عن حقوقهم بوصفهم مواطنين أحراراً في سوريا الجديدة. والمؤسسة المعارضة لنظام الأسد في أحلك ظروف الثورة، والتي دعمت الثائرين بما استطاعت، لا يجوز أن تتحول إلى جهاز للسلطة الجديدة ولا إلى معارضة له، بل أن تكون إعلاماً مهنياً مستقلاً يغطي أخبار مؤسسات الدولة بشفافية ومسؤولية ويعالج شؤون السوريين بمهنية صحفية. ففي هذه اللحظة التاريخية النادرة، تعززَ إدراكُ تلفزيون سوريا أن هذه، بالضبط، هي اللحظةُ التي يصبح فيها الإعلام المستقل أكثرَ ضرورةً وإلحاحاً، لا أقل. تلفزيون سوريا مع الدولة السورية. يريد لها أن تنجح، وأن تستعيد وحدتها ومؤسساتها واقتصادها وحياتها، وأن يعود السوريون إليها، وأن تنجح هذه التجربة التي دفع الناس من أجلها أثمانا هائلة، وأن يستمر التلفزيون في تقديم خدمة إعلامية رائدة. والإعلام الذي يخدم بلده بحق ليس الإعلام الذي يصفق، ولا الذي يعادي، ولا الذي يحرّض ويعزز الانقسام ويربّيه، ولا الذي يستخدم الأقنعة ويقفز من مركب إلى آخر. هو الإعلام الذي يحافظ على المسافة التي تسمح له بأن يرى، وأن يسأل، وأن ينتقد عندما يجب النقد، وأن يدعم عندما يكون الدعم في مكانه. وفي الحالتين، يبقى السوري هو البوصلة، أينما كان، وإذا كان هناك بلد أو شعب يحتاج اليوم إلى تعددية إعلامية حقيقية، فهو سوريا.
نعم، نحتاج إلى إعلام رسمي قوي ومحترف، بكل تأكيد. ونحتاج إلى إعلام خاص ومستقل قوي أيضاً. نحتاج إلى صحف ومواقع ومحطات ومنصات تحقق وتسأل وتشرح وتنتقد، وتخطئ وتصحح. فسوريا لا تحتاج إلى صوت واحد، ولا تحتاج إلى عشرة أصوات تقول الشيء نفسه.

والإعلام المستقل ليس خصماً للحكومة ولا لجهة. بالعكس، يمكن أن يكون أحد أهم عناصر قوة الدولة؛ لأنه يكشف الخلل قبل أن يكبر، وينقل ما قد لا يصل إلى المسؤولين، ويفتح النقاش العام، ويساعد على منع تحول الأخطاء الصغيرة إلى سياسات كبيرة. والدولة القوية لا تخشى الإعلام المستقل، بل تحتاج إليه. تحتاج إلى من يخبرها بما لا تريد أن تسمعه أحياناً، وإلى من يكشف الثغرة قبل أن تصبح أزمة، وإلى من يمنح الناس مساحة للكلام بدلاً من أن يترك الغضب يتراكم بعيداً عن المجال العام. نجاح التجربة السورية لن يصنعه السكوت ولا التصفيق. ستصنعه دولة لا تخشى النقد، وسلطة تعرف أن وجود صحفي يسألها ليس تهديداً لها، ومجتمع يستطيع أن يسمع آراء مختلفة من دون أن يحول الاختلاف إلى تخوين. وتلفزيون سوريا، في هذا كلّه، لا يطلب امتيازاً. يريد فقط أن يفعل ما بدأ من أجله، العمل الإعلامي المهني، تحت سقف القانون.

ولهذا، فإن القضية ليست التمسك باسم لاعتبارات تجارية أو عاطفية. الاسم يحمل تاريخاً ومعنى، تلفزيون سوريا كان اسم مؤسسة اختارت منذ يومها الأول أن تكون للسوريين، وبقي الاسم معها في سنوات المنفى، ثم دخل معها البلد. لكن القضية الأهم أبعد بكثير من الاسم: أيّ سوريا نريد أن نبني؟هي سوريا التي تتسع لأصوات أبنائها، ولا تخاف اختلافهم، ولا تعتبر أي نقد خصومة، وتعرف أن قوتها في تعددها، وأن الحرية التي قامت الثورة من أجلها لا تكتمل من دون إعلام حر ومستقل. إعلام لا يرى في الصحافة مجرد وظيفة للتكسّب أو التبرير. فالمشكلة ليست في مؤسسة بعينها، ولا في خلاف عابر بين وسائل إعلام، بل في تصور للدور إذ يضيق بالاستقلال والتعدد، ويريد للمجال العام أن يكون أقل اتساعاً مما تحتاج إليه سوريا اليوم.فالذي ينشغل بالتحريض والتصنيف ووهم الوصاية على الآخرين، بدلاً من صناعة المعرفة وفتح النقاش ومساءلة الوقائع، لا يقدم خدمة لبناء المجال الإعلامي الذي نحتاجه. وسوريا الجديدة أحوج ما تكون إلى إعلام مسؤول يتنافس في المهنية والمعرفة، لا في توزيع المواقف وشهادات الوطنية، إعلام يتسع للاختلاف، كما ينبغي للدولة نفسها أن تتسع له.أخيراً، في العام 1865 حملت صحيفة في الشام اسم سورية، وبعد أكثر من قرن ونصف، حمل تلفزيون مستقل اسم سوريا، لا لأنّ أحداً منحه الاسم، بل لأن البلد الذي يشير إليه الاسم كان قضيته منذ اليوم الأول.. مددنا ألِفَ سورية قبل ثماني سنوات، والأجدى اليوم أن نمدّ أيدينا وقلوبنا جميعاً، ومعاً، وأن نرفع سوريا نفسها، لا أن ننشغل بملكية اسمها.


https://www.syria.tv/369985