علي حميدي
في إحدى المقابلات مع شخصية هامة من صناع الإعلام العربي المعاصر، قامة قد يجهلها كثر لكن أثره لا يخفى على أحد، يسأله المحاور عن هواياته فيجيب: ليس لدي هوايات بالمعنى الكبير لهذه الكلمة، يمكن أن تسمي ما لدي اهتمامات، أنا اهتم بالقراءة، أقرأ في مجال عملي وبعض الآدب لتهذيب اللغة والمتعة وأحب الموسيقى، يبدو الاستغراب على وجه المذيع الذي تعوّد على إجابات ثقيلة حول هوايات نادرة ونخبوية من كل أمثال الرجل، وليقطع الاستغراب أو ليبرر قال: أنا لا أحب السفر ولا زيارة المتاحف وساحات المدن الشهيرة ولا أحب جمع الطوابع أو الغناء أو الرياضة بمفهوم الشغف المعاصر.. أليست هذه هي الهوايات؟ سأل مبستما وأضاف: وأنا لا أحب تعلم اللغات.. أتقن لغتين فقط بحكم عملي وأسفاري.. ولا أُشفى إلا بالعربية.
وأنا أيضا لا أحب تعلم اللغات بل وأتفق كثير مع صراحة صديقي العتيق فلا تستهويني السياحة والأسفار وأتقن لغتين بحكم عملي واضطررت مؤخرا لتعلم ثالثة ليس حبا بل للضرورة.
انتقلت للعيش والعمل بإسطنبول منذ عام مضى وعلى مدار العام كان احتكاكي بالمدينة هامشيا لا يذكر وعندما فكرت بالانقلاب على هواياتي، ليصبح حب المدن الكبرى واستكشافها إحدى هذه الهوايات كان لا بد لي من تعلم التركية فـ"إسطنبول مدينة لا تكتشف إلا بالتركية وإلا ستبقى على هامشها" وكي لا أكون كذلك توجهت بعد تردد لأكاديمية تعلم التركية لغير الناطقين بها وقدمت في صالة الاستقبال أمام الموظف جملة من الشروط التعجيزية عله يرفض قبولي كدارس وأحصل بذلك على مبرر أمام نفسي والآخرين والمدينة العريقة.. لكن تم قبولي وشروطي.
إلتزمت بالخطة التي وضعتها الأكاديمية والمُدرّسة الخصوصية لأمثالي من العازفين، ومضت الأيام وبدأت أتكلم بعض الكلمات التركية وأفهم بعض ما يقوله الصف وأقرأ بطريقة بدائية من كتاب التعليم ولأن أصل تعليم الكبار لغة جديدة هو انخراطهم في مواقف تجعلهم يتكلمون مجبرين كانت المُدرّسة تجعلني أتكلم فقط للكلام دون الإلتفات لقاعدة أو معنى، تريد مني الحديث بالتركية ليكون هذا مدخلا لأتعلم أكثر وفي أحد المحاضرات وكنت قد قضيت قرابة الثلاثة أشهر في الأكاديمية، طلبت من كل واحد منا أن يقص على الصف قصة بالتركية، قصة يختارها بنفسه، بدأ الرفاق بالقص وكانوا جميعا أفضل مني لغة وإمكانيات كونهم يعيشون في المدينة وبين أهلها منذ سنوات وعندما كان دوري كنت عاجزا فعلا عن تكوين جملة واحدة وقفت بلا حيلة مبتسما فقال أحدهم من خلفي متندرا "إحكي لنا قصة ليلى والذئب".
ليلى والذئب.. ماهذه المفارقة العجيبة فهذا الخيار كان الأبسط بالنسبة لزميلي كون القصة شهيرة جدا وسهلة الفهم لكل من يسمعها لأنها بلا شك مرت عليه.. لكن القصة بالنسبة فهي أكبر من ذلك بكثير وأنا الذي كنت أحاول منذ وقت طويل البحث في حياة الذئب ودراسة سلوك هذا الحيوان المميز صاحب الصفات الحسنة والذكاء الحاد والخبث النادر والشجاعة وأهم ما كنت أبحث عنه هو خصلة يمكن أن نسميها مجازا الكرامة فالذئب لا يروض ولا يرقص في السيرك لتسلية أحد.
مرت خمس ثوان انطلقت بعدها متوجها للجميع ليس بالقصة بل بمحاولة تبرئة الذئب من دم جدة ليلى بل وتعريف الحضور به وكيف أن تلك القصة تسسلت من التراث الفرنسي إلى العالم وكأن الكاتب الفرنسي شارل بيرو كان يقصد تشويه سمعة هذا الحيوان وشيطنته وهو الذي يمثل تقريبا في كل الثقافات نموذجا للشجاعة والشهامة والصبر وعزة النفس لكن هذه الصفات غائبة والراسخ غدر الذئب بليلى (الفتاة ذات الرداء الأحمر) وبجدتها.
استغرب الجميع حديثي ومحاولاتي الفاشلة الذود عن سمعة الذئب بالغة التركية وبدأوا يضغون إلي وأنا أتكلم بمزيج غريب (عربي – تركي) وبعضهم يشرح أو يترجم للمُدرّسة التي بدت مهتمة لسماع المرافعة، خاصة عندما حدثتها عن قيمة الذئاب في ثقافتها التركية وكيف أن الأتراك تحديدا يحترمون هذا الحيوان أكثر من غيرهم وكيف يوصف مؤسس تركيا وأبو الأتراك مصطفى كمال بـ"ذئب الأناضول" ويطلق هذا اللقب على الكثير من رؤوساء الأجهزة الأمنية والزعماء الاجتماعيين في البلاد، ولتركيا أيضا مناورات عسكرية شهيرة مسماة بـ"ذئب البحر"، كما أن لإسطنبول تحديدا أساطير عن جنوح كثير من ذئاب غاباتها للعيش مع أهلها بهيئة كلاب تعيش في سلام في شوارع المدينة.. تكلمت كثيرا وخلصت لائما المُدرّسة بالقول، هل بعد هذا تصدقين أن الذئب أكل الجدة وأراد بليلى أذى؟
أما للرفاق من العرب فقلت لهم ببساطة من منكم لا يعرف رجلا يحمل إسم "ديب" أو يكنى بـ"ديب"، ومن منكم لم يسمع عن علاقة العربي البدوي بالذئب الذي كان مضرب مثلا بالشجاعة والدهاء ومن لم يقرأ سورة يوسف ويدرك أنه كان البريء في السيرة، صمت الجميع وبدوا مقتنعين بالمحاججة لكن أحدا لم يكن مقتنعا بإمكانيات اللغوية بالتركية فقد شوهت القواعد وتعديت على الألفاظ والمعاني وما صبرهم على ذلك سوا أن ما يسمعون مني هو رواية جديدة لقصة يعرفها الجميع.
ما قلته عن الذئب لم يكن كل الحقيقة ولكن البقية تركتها لنفسي فالذئب إذ يجوع يصبر ويتعزز عن السفائف، وإذ تضيق به الحياة يختار الوحدة ويعيش منفردا ويموت وحيدا، والذئب لا يشيخ فهو يختار الموت على هوان الشخيوخة فما بالك بالهوان شابا فلا يرضاه..
أدركت بعد هذه المحاضرة أن التركية أصبحت عصية أكثر وأنني لن أتقن لغة ثالثة فالتعبير عما يعتيرك بكثافة وسداد والشفاء كما قال صديقي العتيق لايكون إلا باللغة التي سقيتها مع حليب الوالدة، وما بقيّ من عُمر لا أريده أن يكون زائفا بل أريد أن أكون وأقول وأعبر وأشفى.. ولا أشيخ.